أسس العملية الانتخابية

أسس العملية الانتخابية

هناك علاقة جدلية بين الديمقراطية والانتخاب، فلا يمكن الحديث عن وجود نظام ديمقراطي في غياب انتخابات نزيهة وشفافة، فالانتخابات غدت من الوسائل الناجعة لتعميق المسألة الديمقراطية لذلك اتجه الفكر السياسي الغربي إلى جعلها القناة الأساسية للوصول إلى السلطة بشكل تحول معه الحق في الانتخاب مجسدا لخاصيتين أساسيتين، فهناك الشرعية القوية من جهة وكونية تعاطي المجتمعات المتحضرة إلى العمل الانتخابي من جهة ثانية. فالانتخابات لا تعدو أن تكون سياسية وتقنية تخول للمواطنين اختيار شخص من بين عدد من المرشحين ليكون ممثلا للجماعة التي ينتمي إليها.

غير أن إنجاح العملية الانتخابية لا يتوقف عند إصدار القانون الانتخابي بل يتجاوزه إلى إقرار جملة من المقتضيات القانونية والسياسية بدءا بإشكالية تبيئة القانون الانتخابي (المحور الأول) والتسجيل في اللوائح الانتخابية (المحور الثاني) مرورا بالتقطيع الانتخابي (المحور الثالث) والوقوف عند تأثير أنماط الاقتراع على العملية الانتخابية (المحور الرابع) وصولا إلى الحرص على تحقيق الشروط الذاتية والموضوعية للحملة الانتخابية الناجعة (المحور الخامس)






إن هذه التوطئة تضعنا أمام جملة من التساؤلات يأتي في مقدمتها: ماذا نعني بالانتخابات؟ وأي مسار اختطه في النظام الليبرالي؟ وما هي أشكال الانتخاب؟ وما مدى تأثير هذه الأشكال على المنظومة السياسية؟ وكيف السبيل لإجراء انتخابات نزيهة شفافة وفعالة؟





المحور الأول: مسألة تبيئة القانون الانتخابي

لا يمكن للباحث الجامعي أن يحصل حاصلا إذا ما اعتقد بأن هناك قانون انتخابي واحد موحد صالح لكل المجتمعات الانسانية، فالخصوصية السياسية مسألة تفرض نفسها بإلحاح شديد، بحيث لا يوجد نظام سياسي وحيد أو طريقة انتخابية واحدة تلائم على قدم المساواة كل الدول وشعوبها، ف جهود المجتمع الدولي لتعزيز تنفيذ مبدأ الانتخابات الدورية والصادقة يجب أن لا تثير الشكوك حول حق سيادة كل دولة وفقا لإرادة شعبها في أن تختار بحرية وأن تطور أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية سواء أكانت متفقة مع أولويات الدول الأخرى أم غير متفقة لأن التفرد السياسي مسألة تفرض نفسها بقوة الواقع فالعملية الانتخابية تخضع لاعتبارات تاريخية وسياسية وثقافية ودينية. بيد أن هذا الإقرار الدولي بخصوصية القانون الانتخابي لا يعني مطلقا التفريط في ثوابت الانتخابات النزيهة، فالمساواة بين المترشحين، وضمان استقلالية العملية الانتخابية وحرص الدولة على أن تيسر للمواطنين التعبير عن إرادتهم بشكل حر ونزيه كلها مطالب لا محيد عنها لوصف انتخابات نزيهة وشفافة، كما أنه لضمان هذا الهدف يستحسن أن يصدر القانون الانتخابي عن جهة مستقلة تتميز بالحياد القانوني والسياسي، بحيث تشرف على العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها اجتنابا لأي طعن قد يصدر عن هذا الطرف أو ذاك.
وبعيدا عن هذه الاشكاليات تنظيم الانتخابات ينبغي له أن يراعى مسألة التناسب بين المراحل الزمنية لكل استحقاق انتخابي،

– فكيف يمكن أن نراعي مسالة التناسب الزمني للاستحقاقات الانتخابية؟
حينما نتصفح الأعمال التحضيرية من البروتوكول الأول للميثاق الأوروبي لحقوق الانسان نجد المادة الثالثة تشير على أنه ينبغي أن لا تكون الفترات الفاصلة بين الانتخابات قصيرة جدا ولا أن تكون طويلة جدا، وإنما تكون بالأحرى متفقة مع الممارسة الطبيعية لدول الحرة، وتؤكد الممارسة بدورها على عمومية الحالة بحيث تبين أمثلة عشوائية أن النواب في الولايات المتحدة الأمريكية يعملون لمدة عامين وفي استراليا ونيوزيلاندا لمدة ثلاث سنوات وفي النمسا وبلجيكا لمدة أربع سنوات وفي بوتسوانا والمملكة المتحدة لمدة خمس سنوات، وقضت لجنة الدول الأمريكية لحقوق الانسان بأن إجراء كل الانتخابات لمدة عشر سنوات يخالف الاعلانالأمريكي لحقوق الانسان

* المحور الثاني: التسجيل في اللوائح الانتخابية

يعتبر التسجيل في اللوائح الانتخابية حجر الزاوية لضمان انتخابات فاعلة وفعالة، فالاقبال على التسجيل في هذه اللوائح يترجم حجم المشاركة السياسية الانتخابات، مثلما يخول للمواطن الحق في الانتخابات، إذ بدون هذه العملية لا يحق للمواطن المشاركة في كافة الاستحقاقات. وتعرف اللائحة الانتخابية La Liste Electoraleبكونها تلك الوثيقة التي يسجل فيها مجموع من يؤهلهم القانون للمشاركة السياسية
وتتميز اللائحة الانتخابية بكونها عامة ودائمة فعموميتها تعني أنها ليست مرتبطة بانتخابات محددة، فهي تسري على كافة الاستحقاقات والاستفتاءات الوطنية والمحلية ذات الصبغة السياسية، أما ديمومتها فتنصرف بكونها تحمل نتائج جد إيجابية لفائدة لناخب يأتي على رأسها أنه يصبح غير ملزم بالتسجيل عند كل استحقاق انتخابي أو في كل سنة. بيد أن الديمومة لا تعني مطلقا أن هذه اللوائح تظل جامدة لا يشملها أي تعديل أو تحوير، بل إنها قد تعرف مراجعة كلية أو جزئية تتم من قبل السلطات الادارية تبعا للمتغيرات التي تحدث للنمو البشري بالبلد.

إن السؤال المطروح في هذا الصدد هو: هل أهلية الانتخاب حق أو وظيفة؟

هناك جانب كبير في الفقه الدستوري يذهب إلى اعتبار الانتخاب حق شخصي يتمتع به كل مواطن، ويثبت لكل فرد باعتباره من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز حرمان أحد منها والواقع أن حل هذه المسألة ليس هو الذي يفسر التنظيم العملي للانتخابات في الأنظمة الديمقراطية، وهذا ما نشاهده على سبيل المثال لا الحصر في المغرب حيث أن أهلية الانتخاب من الوجهة النظرية تعتبر وظيفة في بلادنا، وذلك ناتج عن إقرارنا لمبدأ السيادة الوطنية، فأهلية الانتخاب هي الوظيفة التي بمقتضاها يشارك المواطنون في إبراز الارادة العامة لكننا نلاحظ حتى مع تبنينا لهذا الموقف المبدئي أن الاقتراع يقع تنظيمه من الناحية العملية وكأنه حق، فممارسة هذا الحق يعتبر مجرد عمل اختياري في حين أن الغاية من فكرة أهلية الانتخاب كوظيفة هي أن تؤدي إلى التصويت الاجباري


* المحور الثالث: التقطيع الانتخابي

“إن التقطيع الانتخابي ليس مسألة شكلية، بل إنه عامل أساسي في توجيه الانتخابات، إذ يحدث أثرا مباشرا على نتائجها” كأن يتم رسم حدود بعض الدوائر بطريقة تؤدي إلى جمع الأصوات الموالية لحزب أو مرشح منافس داخل حي واحد أو اثنين على الأكثر بحيث يحصل هذا الحزب أو المرشح على أغلبية ساحقة هنا في حين يصبح نصيبه من الأصوات في بقية الدوائر هزيلا للغاية لذا تحرص الدول الديمقراطية على أن تسند مهمة التقطيع الانتخابي إلى هيئة مستقلة عن الحكومة والبرلمان مثلما عليه الحال في بريطانيا استراليا، كندا، جنوب إفريقيا كما تحرص للعديد من الأنظمة الديمقراطية على تحقيق المساواة في مسألة التقطيع الانتخابي، فقد قضت المحكمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية بأن شرط الحماية على قدم المساواة يعتبر مشروع تقسيم الولاية لدوائر في انتخابات الكونغرس غير دستوري لأنه أخفق في تحقيق المساواة بين الناخبين في كل دائرة، وفي مثال آخر فإن تفاوتا صغيرا يصل إلى 0.6984 في المائة يعتبر غير دستوري


* المحور الرابع: الشروط الذاتية والموضوعية للحملة الانتخابية الناجحة:

للحملة الانتخابية أصول وقواعد سياسية تحتم على الفاعلين السياسيين الالتزام بمقتضياتها فالتزام الادارة بتطبيق القانون ونهج مبدأ المساواة مع كافة المترشحين وإقرار هؤلاء بضرورة وضع برامج واقعية ومحددة واحترام مقتضيات مدونة الانتخابات من قبل الناخب والمنتخب على حد سواء كلها عوامل أساسية من أجل إنجاح حملات انتخابية نزيهة وشفافة
والواقع أن الحملة الانتخابية تشكل مدرسة حقيقية لتعلم الديمقراطية، إذ تمكن المناظرات الاعلامية خصوصا التلفزيونية من معرفة الرأي والرأي الآخر مع احترام اختلاف وجهات النظر بين المترشحين على اعتبار أن الديمقراطية ليست فقط مجتمع الاختلاف بل ضمان الحق في هذا الاختلاف، كما أن هذه المناظرات تمكن المواطن من الاحاطة بمختلف المشاكل السياسية المطروحة، ويجسد النظامين السياسيين الأمريكي والفرنسي أفضل نموذج على إنجاح هذه المناظرات.

لكن قبل استعراض مقومات الحملة الانتخابية يجدر بنا التوقف عند هذا المفهوم؟
فما هي الحملة الانتخابية؟


يعرف الفقه الدستوري الحملة الانتخابية بكونها تلك الفترة الزمنية التي يحددها المشرع بغية تقديم البرامج الحزبية في الانتخابات للمواطنين، بحيث يتضمن برنامج كل حزب مشارك في الانتخابات تشخيصا دقيقا للمشاكل والاكراهات التي يمر منها البلد مع إعطاء حلول واقعية لهذه المشاكل.
سيتبع في مقالة قادمة ان شاء الله 
ارجوا ارسال رسالة في حال الاستفسار 





الخبير الانتخابي 
Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *